السيد حيدر الآملي

238

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الحواس الظاهرة عن أفعالها لعدم انصباب الروح النفساني إليها ورجوعها بعد الكلال والضعف ، والملائكة السّماويّة منزّهون عن هذه الأنساب والآلات ، فوجب أن يكون النوم غير صحيح في حقّهم فوجب أن لا يغشاهم ، وأمّا سلب سهو العقول وغفلة النسيان . فاعلم أنّ الغفلة عبارة عن عدم التفطن للشيء وعدم تعقّله بالفعل ، وهي أعمّ من السّهو والنسيان ، وكالجنس لهما . بيان ذلك أنّ السّهو هو الغفلة عن الشيء مع بقاء صورته ، أو معناه في الخيال ، أو الذّكر بسبب اشتغال النّفس والتفاتها إلى بعض مهمّاتها ، وأمّا النسيان فهو الغفلة عنه مع انمحاء صورته ، أو معناه عن إحدى الخزانتين بالكلَّيّة ، ولذلك يحتاج النّاسي للشيء إلى تجشّم كسب جديد وكلفة في تحصيله ثانيا ، ولهذا يظهر الفرق بين الغفلة والسّهو والنّسيان . وإذا عرفت ذلك ظهر أنّ هذه الأمور الثلاثة من لواحق القوى الإنسانيّة ، فوجب أن تكون مسلوبة عن الملائكة السّماويّة لسلب معروضاتها عنهم ، ولمّا ذكر سهو العقول ونفاه عنهم أردفه بسلب ما هو أعمّ منه وهو الغفلة لاستلزام سلبها سلب النسيان ، وقد كان ذلك كافيا في سلب النسيان إلَّا أنّه أضاف الغفلة إليه ليتأكّد سلبه بسلبها . وأمّا قوله : ولا فترة الأبدان ، فلأنّ الفترة هي وقوف الأعضاء البدنيّة عن العمل وقصورها بسبب الخلل الأرواح البدنيّة وضعفها ورجوعها للاستراحة ، وكلّ ذلك من توابع المزاج الحيواني فلا جرم صدق سلبها عنهم . قوله : ومنهم أمناء على وحيه وألسنة رسله مختلفون بقضائه وأمره . يشبه أن يكون هذا القسم داخلا في الأقسام السابقة من الملائكة ، وإنّما ذكره ثانيا باعتبار وصف الأمانة على الوحي والرّسالة ، والاختلاف بالأمر إلى الأنبياء عليهم السّلام وغيرهم ، لأنّ من جملة الملائكة المرسلين جبرئيل عليه السّلام وهو من الملائكة المقرّبين .